الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية بعد استضافته للطالبي: 3 رسائل "عاجلة" لسمير الوافي

نشر في  10 فيفري 2016  (10:35)

خلّفت الحصّة الأخيرة من برنامج «لمن يجرؤ فقط» على شاشة الحوار التونسي من خلال استضافة المفكر الكبير محمد الطالبي، موجة استياء حادّة في صفوف العديد من التونسيين، معتبرين انّ ما جاء في تلك الحلقة ساهم في عكس صورة سلبية مشوّهة عن مفكّر، تمّ حصره في قالب التصريحات النارية ضدّ الزعيم الحبيب بورقيبة والمفكر الفيلسوف يوسف الصديق وفي إطار ضيّق تم توظيفه قصد الحديث عن تفاصيل مسائل جدلية  كل يفهمها وفق «أهوائه». دون فتح المجال الكافي له البسط فكره المستنير البعيد عن مثل هذه المتاهات..
ونتيجة لما خلّفته هذه الحلقة من استهجان، كان لأخبار الجمهورية اتصال ببعض الوجوه التي ادلت بدلوها في هذا السياق..

سلوى الشرفي: ما شاهدناه مشين للفكر وحريته وللعلم والعلماء..

في البداية اعتبرت الباحثة والدكتورة سلوى الشرفي انّ ما شاهدناه في الحلقة الأخيرة من برنامج لمن يجرؤ فقط بمشاركة المفكر محمد الطالبي، مضرّ بالمجتمع وبحرية الفكر والتعبير ومشين لكبار السن..
وأضافت في ذات السياق أنّ ما شاهدناه خلال الحصّة المذكورة مشين كذلك للعلم والعلماء، ذلك لأنّ ما قدّمه محمد الطالبي كان بطريقة شعبوية عاكسة لطبيعة البرنامج وحتّى للقناة التلفزية نفسها التي لا تسمح بالتعمّق في المسائل الفكرية لتقدّم بطريقة مفهومة ومقبولة..
وحول الاتهامات التي وجّهها محمد الطالبي ضدّ الزعيم الحبيب بورقيبة، أفادت الشرفي أن ما نسبه الطالبي لبورقيبة على اعتبار أن الأخير قال كلاما مشينا بخصوص الرسول ليس مؤكّدا وإن صحّ تصريحه فيجب معرفة في أيّ إطار تنزّل ذلك القول حتّى نحكم عليه.
وتطرّقت محدّثتنا إلى ربطها بين طبيعة الحصّة التلفزيونية المذكورة التي لا تسمح بالتعمّق وبالتالي تقدّم معلومات مقطوعة عن سياقها تساهم في تشويه قائلها من ناحية وفي تشويه المطعون فيه -وربما ظلما- من ناحية أخرى على حدّ تعبيرها.
في المقابل اعتبرت الشرفي أنّ تكفير الطالبي للاستاذ يوسف الصديق غير مقبول، قائلة إنّها شخصيا اطلّعت على كتابه الذي ذكره الطالبي ولم تر فيه شيئا يحيل إلى الكفر وبالتالي فإنّ ما قاله الطالبي يعتبر مجرّد تأويل.
وأضافت أنها وبقطع النظر عن صحّة «التكفير» من عدمه فإنّه يعتبر جريمة أخلاقية لأنّ التكفير في ثقافتنا يحثّ على الاعتداء على المفكّر وقتله وهدر دمه، ولذلك فان ما قاله الطالبي بخصوص يوسف الصديق يقع تحت طائلة القانون الجنائي التونسي المتعلّق بالحثّ على القتل.
أمّا في ما يخصّ تحليل الدكتور الطالبي للخمر وممارسة البغاء بعد سؤاله عن موضوعهما في الحصة المذكورة، فتساءلت الشرفي عن خلفية وهدف تقديم هذه المسائل وطرحها جماهيريا خاصة أنّه يقع منع الخمر والدعارة قانونا في أغلب دول العالم بقطع النظر عن الدين أو الانتماءات وذلك لأنها تعتبر من بين المظاهر المنزّلة من قيمة الإنسان.
وفي سياق مداخلتها واصلت الشرفي حديثها: «لو فرضنا أن نتيجة بحوثه في هذا الموضوع صحيحة -رغم أنّها خلافية كما رأينا- فلا يجوز تقديمها وعرضها جماهيريا، لأنّها قد تساهم بطريقة غير مباشرة في تشجيع ضعاف النفوس على اتيان المزيد عوض التوبة».
وأكّدت الدكتورة أنّ المفكر محمد الطالبي وغيره من المثقفّين من حقّهم أن يستمرّوا في البحث في كل شيء ويقدّموا نتائجهم في ذلك، لكن مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ما يمكن أن ينجر عنه من مضرّة نتيجة للمستويات الفكرية لبعض الأشخاص ..
ودعت سلوى الشرفي الإعلاميين إلى عدم استغلال صراحة محمد الطالبي وربما عدم وعيه بخطورة ما يقول، حتى يجعلوا منه محلا للسخرية التي ماهي إلا سخرية بكل العلماء..
وأضافت في ذات رسالتها إلى الإعلاميين قائلة : «لكل مقام مقال، فقد كان من الأجدر دعوة هذا العالم في حصّة ثقافية وعلمية لإعطائه الفرصة للتعمّق في تحاليله لا أن «يجرّ» إلى حصص تلفزية خفيفة فلسفتها العميقة تكمن فقط في جلب الإثارة ولهثا وراء الاوديمات».
وخلصت في حديثها إلى القول إنّه يتوجب على الهايكا أن تتحرّك وتتخّذ الإجراءات اللازمة في ما يخص هذا الشأن، معربة عن تمنيها أن لا تقع الإعلامية مريم بلقاضي في ذات «الفخ» الذي وقع فيه زميلها الوافي والمتمثّل في «جرّ» محمد الطالبي ذلك الرجل المحترم خاصة وانّه طلب منها استضافته لنيل حقّ الرد..

نائلة السليني: «سيظلّ المثقّف ضمير هذه البلاد الحيّ وذاكرتها»

في ذات الصدد قالت المفكّرة والجامعية نائلة السليني : « مشكلتنا نحن من ألحق بنا الطالبي أذى أنّنا بين أمرين ، أحلاهما مرّ: إمّا الردّ عليه، ونحن ندرك أنّ ميليشيا اليمين أخذته رهينة توجّهه سكينا في صدورنا، وتحملنا على مغادرة ساحة قتالهم والتلهّي بمشاكل كان من الأفضل أن تعالج بعيدا عن الأعين، حفاظا على ذكرى أشخاص نحترمهم، وتكون بذلك قد طبقت المثل القائل « منّو فيه زيتو يقليه»، وتبقى بذلك لوحدها ترتع في أرجاء بلدنا بالطول والعرض»..
وأضافت « هذا من ناحية أو السكوت، وترك القافلة تسير ومواصلة النضال وسط هذه الغوغاء وقرع الطبول المنقوبة التي يدقّها من انتدبتهم مليشيا اليمين لهذه الوظيفة الحقيرة.. وفي أثناء ذلك، هل نضمن أنّ البعض من عائلة الزعيم بورقيبة أو من يؤمن بتاريخه ويحفظه من كلّ أذى ، أن لا يجرّ الطالبي إلى المحاكم لمحاولته تدنيس صورة الزعيم.. بل هل نضمن إقناع البعض من المثقفين ممّن اتهمهم بالكفر بعدم الالتجاء للقضاء بتهمة التحريض غير المباشر على القتل، في ظرف تمرّ به البلاد عصيب.. أترون في أيّ مأزق نحن؟؟؟ «واعتبرت أنّه هكذا «وفّق» الوافي في إحداث حال من الفوضى في البلاد.. في وقت نحتاج فيه إلى بعضنا بعضا وأن لا يفرقنا الفساد الذي طغى وعمّ جميع الميادين، مشدّدة على ضرورة  أن نجد حلاّ لمثل هذه الممارسات.
هذا وتوجّهت في ذات السياق المفكرة السليني برسالة عاجلة إلى سمير الوافي وهي مقتطفة من مقال لها نشر في المغرب. جاء فيها التالي:
« كفاك لعبا على الذقون، واجعل برنامجك الباني لا الهادم.. كفاك عبثا بصورة شخصيات كان الأجدر أن تحفظها من كلّ سوء لا أن تعرضها في سوق السخرية والتهكّم.. أليس من الأجدى أن تحمي رموز العلم والمعرفة في بلادك ؟
لأنّك في حفظهم تحفظ تاريخك وتاريخ أجدادك وتحفظ حقوقك وحريتك وكرامتك ومقامك في المجتمعات الدولية. لا أن تحوّلهم إلى لعبة الحلوى تعركهم كما تشاء. صحيح أنّ الغاية تبرّر الوسيلة ، لكن حذار ..ليس على حساب ما بقي لنا من ثروات ورموز. إذ ما هو غنمك إذا دفعت بالأستاذ الطالبي حتى يصنّف المثقفين حسب مقالات الكفر والإيمان؟
وماهي الفائدة من دفعه إلى سبّ زيد أو عمرو سوى « تحويل وجهة الأنظار» والمشاغل من نظر جدّيّ في مشاكل البلاد إلى ثرثرة وصراخ وسبّ وشتم واتهامات تسعى إلى تشتيت الانتباه؟ وفي أثناء ذلك تغرق بلادنا وتغرق أنت معها في مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية.
آن الأوان للهايكا أن تردع مثل هذه التجاوزات التي قد تكون لها انعكاسات سلبية، وعندئذ يكون قد سبق السيف العذل. آن الأوان أن تفرض الهايكا ونقابة الصحافيين دورات تكوينية للصحافيين حتى يفقهوا نواميس مهنتهم، ويدركوا دورهم الخطير الذي قد ينقذ البلاد وقد يسقطها في ضلال مبين.
سيظلّ المثقّف أراد من أراد وأبى من أبى، ضمير هذه البلاد الحيّ وذاكرتها التي تنير العقول وتذكّي إرادة الشعوب.. ولن يسقط المثقف الحق في فخّ التناحر والتناطح والتدافع ليخدم أجندات معروفة».

آمال قرامي: صورة  الطالبي لا تمسّ

من جهتها تساءلت المفكرة والكاتبة آمال قرامي هل قرأ سمير الوافي أعمال محمد الطالبي قبل دعوته إلى برنامجه؟ وإلى أيّ مدى استطاع فهم واستيعاب أفكاره والجهود التي بذلها في قراءة آلاف المجلدات الفكرية حتّى يتمكن من تفكيكها وإعادة بنائها من جديد؟
كذلك تساءلت عن مدى قدرة سمير الوافي وغيره من المحسوبين على قطاع الإعلام في التخصّص في الإعلام الثقافي وعن مدى قدرتهم على تقييم جهود المثقفين وفهم القضايا التي يخوضون فيها، مشدّدة على أن محاورة المثقفين والمفكرين مسألة لا  يمكن لكل من هبّ ودبّ الخوض فيها لأنه يتوجب به قبل الإقدام على هذه «المغامرة» على الأقل قراءة نصف نصوص المؤلفات التي أنتجوها حتّى تكون الحوارات في مستوى رفيع يليق بمنزلة المثقف وتعكس مستوى الإعلامي المستضيف..
وتطرّقت قرامي في مداخلتها إلى تقاليدنا الاجتماعية التي تربّى عليها كل التونسيين والتي تقوم بالأساس على احترام كبار السنّ حتّى لو ضعفت مداركهم، مشيرة إلى أنّه ورغم المآخذ التي ظهرت في السنوات الأخيرة تجاه الطالبي  نظرا لتصريحاته إلا أنها أبدا لا تخوّل لأحد ليمسّ بصورته أو يحطّ منها خاصة وانّ لا أحد يضاهيه في الأعمال الفكرية التي قام بها.
وبلغة لم تخل من فخر قالت الكاتبة آمال قرامي: «لا يمكن تصوّر الفرحة التي تنتابني كتونسية تعترضها أعمال المفكر محمد الطالبي في المحافل الأدبية الدولية من بينها محافل فرق البحث الإسلامي المسيحي».
في المقابل قالت محدّثتنا « لقد اعتقدنا إن الإعلام في تونس قد منح فرصة ذهبية بعد الثورة للخوض في العديد من المسائل الهامة والمواضيع المحظورة بمهنية وحرفية تساهم في الرفع من قدرات النقاش، إلّا أننا فوجئنا بتساهل بعض المحسوبين على هذا القطاع مع هذه المهنة ومساهمتهم في تكريس نمط رديء في التعاطي الإعلامي».
وفي ختام مداخلتها أعربت آمال قرامي عن أسفها لعدم فهم بعض الإعلاميين دروس احترام الكرامة والإنسانية والقيم النبيلة التي نتمسّك بها، خاصة تجاه المفكّرين المتقدمين في السن بقطع النظر عن الاختلاف مع مواقفهم..    

سمير الوافي يــوضّــح..

من جهته وبعد حملة النقد التي طاله بعد استضافة الطالبي نشر الاعلامي سمير الوافي توضيحا هذا ما جاء فيه..
«البعض عن حسن أو سوء نية يحمل برنامجي مالا يتحمله...ويريد منا حوارا فكريا جادا وصارما وعميقا لا ندعيه ولا نعد به وننصح من ينتظره منا أن يغير القناة...ليس لأننا عاجزون عن تقديم ذلك فهو ممكن بفريق إعداد قوي وموجود...لكن لأن برنامجي ليس مطالبا بذلك فهو منوعة سياسية خفيفة إن صح التعبير... لها اسلوبها الخفيف والطريف وطرحها المختلف...وتأتي بعد البرامج الفكرية والتقنية والمختصة وهي قليلة...لتكشف في المبدع أو السياسي وجها آخر إنساني لا تكشفه تلك البرامج ولا يعنيها...نحن لا ندعي اننا برنامج فكري ومن ينتظر منا ذلك فهو ساذج كأنه ينتظر من النشرة الجوية أخبارا رياضية أو من الأحد الرياضي تحقيقا كبيرا لا مجرد تغطية...
ومع الدكتور الطالبي كنا كما ينتظرنا ويفهمنا مشاهدونا الكثيرون...وكما توقعنا ضيفنا الذي يلبي دعوتنا للمرة الثانية وهو يعلم أنني لست برنار بيفو ولا برنامجي فكري...لكنه ياتي ليخاطب اكبر عدد من المشاهدين في برنامج جماهيري...لذلك كان الحوار معه عاما وشيقا وخفيفا ومشاكسا وطريفا لا يلبي سوى انتظارات مشاهديه...
ولا يبحث سوى عما لا تجده البرامج الأخرى في شخصية وإنسانية الضيف ومواقفه من الحياة والتفاصيل الانسانية...ومن ينتظر غير ذلك هناك برامج متخصصة ومختلفة تلبي انتظاراته وتتعمق أكثر...فلا نحن فرضنا عليه مشاهدتنا ولا هو يفرض علينا انتظاراته الأعلى من سقف برنامجنا...
أما من يشاهدنا بشغف وتركيز واهتمام ثم يشتم ويسب ويلعن فلا نرجو له سوى الشفاء...
 لمن يجرؤ فقط برنامج لمشاهديه فقط في توقيت لا يتحمل غير ذلك...ونحن نكتفي بمشاهدينا ونعتز بثقتهم وهم ملايين...شكرا على التفهم...»



إعداد: منارة تليجاني